أنتم فروضي ونفلي *** أنتم حديثي وشغلي
يا قبـلتي في صلاتي *** إذا وقفـتُ أصــلي
جمالكم نَصْبَ عيني *** إليه و جهتُ كُلي
وسرُكم في ضميري *** والقلبُ طور التجلي
***
آنستُ في الحي ناراً *** ليلاً فبشرت أهلي
قلت امكثوا فلعلي *** أجد هداي لعلي
دنوت منها فكانت *** نار المُكلّمُ قبلي
نوديتُ منها جهاراً *** ردوا ليالي وصلي
***
حتى إذا ما تدانى *** الميقات في جمع شملي
صارت جبالي دكاً *** من هيبة المتجلي
ولاح سر خفي *** يدريه من كان مثلي
***
فالموت فيه حياتي ** وفي حياتي قتلي
أنا الفقير المعنى *** رقوا لحالي وذلي
***
***
هذا الشعر للشيخ / عمر بن الفارض الناظم وشاعر الحب الإلهي
والوجد النبوي الذي يجتاج القلوب المُحِبّة ويقودها إلى فهم عميق
رغم ألفاظه التي تبدو غالباً صعبة الفك قوية التشفير، حيث أنكره البعض
لتعدد الرمزية وصعوبة فهمها حتى عند أصحاب اللغة والمعارف
ورموا الشيخ بالكفر وبالإلحاد ولحقه ما لحق بأمثاله الشيوخ السابقين ...
فحبه ليس حب مادي كما ادعى البعض فهو حب روحاني لله ولرسول الله
ولأولياء الله، وغزله ليس كغزل السفهاء،ومنهم من تفهموا معاني غزله،
ووقفوا على أسرار نفسه المتجردةففسروه تفسيراً صوفياً ..
***
لقب والده بالفارض لأنه كان يثبت فروض وأحكام النساء عند الحكام،
ولقب هو عمر بابن الفارض (سلطان العاشقين)اشتغل عمر
بشبابه بفقه الشافعية،وأخذ الحديث عن ابن عساكر،
ثم أحب طريق المتصوفة، فزهد في الدنيا وتجرد فيها،
وجعل يأوي إلىالمساجد المهجورة في خرابات المقابر
في القاهرة وأطرافها، وانفرد للعبادة والتأمل والتجرد، وأوى أولاً
إلى مكان خاص يعرف بوادي المستضعفين، ولما توفي والده رحل
قاصداً مكة،وأقام فيها مجاوراً خمس عشرة سنة، ثم عاد إلى مصر
وتوفي في القاهرة وقبر بها وله مسجد ومزار.
***
كان ابن الفارض وسيماً جميلاً نبيلاً حسن الهيئة والملبس، حسن
الصحبة والعشرة، رقيقالطبع، سخياً جواداً، يعشق مطلق الجمال،
فهولا يخفي أن الحب موت وحرب، وأن أوله سقم وآخره قتل .. أو كما قال:
***
وقد علموا أني قتيل لحاظها
فإن لها في كُلِّ جارحةٍ نصلُ
***
أنتم فروضي ونفلي أعتقد أنه يناجي ربه فالفروض والنوافل فهي
أحكام وأوامر الله لا أوامر الأنبياء أو الأولياء الصالحين ولا عامة البشر،
والنافلة في اللغة هي الزيادة وفي الشرع الزيادة في العبادة على مقدار
الفريضة وهي بذا من جنس الفريضة لذا قرنها الشاعر بالفرض حيث
يكثر عباد الله الصالحين على أداء النوافل ليلاً ويؤكد هذا
قول الله تعالى: ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك) والخطاب هنا
لمحمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ..
ويشير ابن الفارض أيضاً إلى الحديث القدسي: (قال رسول الله (ص)
قال الله تبارك وتعالى : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب
إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل
حتى أحبه‘ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به،
ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه،
ولإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء كترددي عن قبض
نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته).
يا قبلتي في صلاتي والقبلة هي مكة فمن يطلب هناك ؟ لا شك أنه يناجي
ويسأل الله .. جمالكم هذا إشارة إلى أن الله جميل يحب الجمال يعني
هو في مشاهدة ونظر دائمين لله ذلك من خلال التفكر في مخلوقاته ..
وقد بدت تجلياتكم لي في قلبي لأن ضميري في صحو ويحمل حبكم ..
***
آنست في الحي ناراً هنا يشير ابن الفارض إلى قصة سيدنا موسى
عليه السلام عندما خرج بأهله (زوجته) بعد أن قضى أحد الأجلين
(سنين الرعي) وكانت هذه السنين الثمانية هي مهر الزواج من بنت
شعيب فأخذها وسار بها صوب مصر ثم آنس من بعيد ناراً ..
فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً .. الخ
فلما دنا منها وجدها نار (المُكَلّم قبله) بضم الميم وفتح الكاف وتشديد اللام
يقصد هي نار سيدنا إبراهيم عليه السلام .. يا نار كوني برداً وسلاماً
على إبراهيم .. وهي بالتالي برداً وسلاماً عليه .. علماً بأنه أبدأ الخوف في أول الأمر لكن نودي جهاراً .. يا موسى لا تخف نجوت من القوم الظالمين ..
***
(ولما جاء موسى لميقاتنا) أي للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه (وكلمه ربه)
بلا واسطة كلاماً سمعه من كل جهة (قال رب أرني) نفسك (أنظر إليك قال:
لن تراني أي لا تقدر على رؤيتي، ولكن انظر إلى الجبل الذي هو أقوى منك
فإن استقر أي ثبت مكانه فسوف تراني أي تثبت لرؤيتي وإلا فلا
طاقة لك .. فلما تجلى ربه أي ظهر من نوره للجبل جعله دكا أي مدكوكاً
مستوياً بالأرض، وخرّ موسى صعقاً أي مغشياً عليه لهول ما رأى ..
فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك من سؤال ما لم أؤمر به..
(وأنا أول المؤمنين بك في زماني ..
***
فالموت فيه حياتي وأيضاً هذا كلام الله تعالى : ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين)
فخرج موسى خائفاً يترقب .. يسرع في مشيه من طريق أقرب .. لأنه قتل مصرياً انتصاراً لأخيه الإسرائيلي حيث استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ..
***
الفقير المعنى هذا قول الله فسقى لهما وتولى إلى الظل وقال رب
لما أنزلت إلى من خير فقير .. قال العلماء : كان جائعاً وأتته إحدى
بنتا شعيب بأكل وكان عبارة عن كسرة من خبز الشعير أو قرصانه
فأكل وذهب عنه الجوع ثم حمد الله على هذا الخير..
***
والله أعلم ،،، مع تحياتي ،،،